أيديولوجية الاحتلال المغربي المعاصرة

شبكة نشطاء الإخبارية
 
عمل الاحتلال المغربي منذ اجتياحه للصحراء الغربية في 31 أكتوبر 1975 على إتباع سياسة استيطانية توسعية ، هدف من خلالها إلى القضاء على المقومات الوطنية للشعب الصحراوي وأيضا إخضاعه والتحكم فيه.
 
قد نهج المخزن في ذلك عدة أساليب وطرق لتثبيت وتوسيع سيطرته بالصحراء الغربية، تحاكي الى حد بعيد ما تم نهجه من قبل الدول الاستعمارية سابقا، حيث نجد أن سياسة “الإلهاء” هي إستراتيجية بعيدة المدى تقوم على فكرة عزل الإنسان عن الشأن السياسي أو العمل الثوري القاعدي باغراقه بوابل متواصل من وسائل الترفيه والتسلية ، ولعل فكرة بناء جملة من الملاعب بالعاصمة المحتلة له مرام ومقاصد قد لا يلحظها جملة من الناس على اعتبار الخلط الحاصل اليوم بين الأيديولوجية والتنمية الاجتماعية، فالمخزن تتبع حركات الاحتجاج السياسية بالصحراء الغربية منذ 1999 وحلل سيرورتها التاريخية على أساس مرجعي يتمثل في نظرية “الهيكلة” وهي نظرية اجتماعية طورها عالم الاجتماع البريطاني “أنطوني جيدنز” تهدف بالأساس الى إعادة انتاج الحياة الاجتماعية كعملية بنائية مستمرة بالتحكم في أنماط التربية وإعادة صياغة القيود والرموز داخل المجتمع ،حتى يتسنى للفرد التكيف مع معطيات وخصائص المحيط المادي والاجتماعي تلقائيا .
 
هذا التحكم الاستراتيجي وهذه الأيديولوجية الصامتة تخدم الدولة في عمقها المادي وتزيد في استمراريتها ودوام وسائل إنتاجها .
وقد سبق و قدم ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي مقترحا بهدف التصدي للكفاح الفلسطيني ، ببناء عشر ملاعب بالضفة في إطار سياسة الإلهاء التي أشرنا إلى أن الاحتلال المغربي يدفع في إتجاه إرساءها بالأرض المحتلة في مختلف أحياء مدنها، للدرجة التي تصل إلى نوعيتها الفارهة بالمقارنة مع ما هو موجود في الداخل المغربي أو حتى عاصمة الاحتلال الرباط، مما يشير إلى التقاطع الحاصل بين السياسة الداخلية الإسرائيلية واستراتيجية المخزن في ما بات يسمى نظرية الهيكلة الاجتماعية .
 
فالنظام المغربي وعى مسألة جهد وعطاء الشباب الصحراوي منذ بداية الاحتجاجات في مدن الصحراء الغربية، وعلم أن منابع النضال الأولى هي الحركات التلاميذية التي ساهمت بشكل كبير في إشعال فتيل المواجهات في انتفاضة الاستقلال ماي 2005 والتي شكلت القاعدة الخلفية للاحتجاج والمطالبة بالاستقلال، ومواجهات الأحد العظيم في كامل أحياء العيون المحتلة التي إنبثقت من المدارس والثانويات … كل هذا وذاك جعل المخزن يسعى لتفريغ هذه الطاقة في أمور هامشية صرفة، بعد عجز وفشل سياسة العصى والاختطافات والتعذيب الممنهج… والذي لم يؤتِ اكله على مدى الأربعين عاما الماضية.
 
قد رأى جيدنز من قبل أن “الحركات الاجتماعية تعاظمت أهميتها في العقود الأخيرة و إتسعت أدوارها نتيجة لعجز المؤسسات التقليدية أو قصورها عن التصدي لأشكال محددة من المخاطر التي تهدد المجتمعات البشرية على اختلافها…” (نظرية الهيكلة الاجتماعية) وبالتالي اصبحنا نرى المخزن اليوم يولى الشباب أهمية بالغة في سياساته العمومية ، ويحث عبر قنواته الإعلامية والحزبية على ضرورة الانخراط في الهياكل التنظيمية السياسية أو الجمعوية المدنية ، لأن الانتماء كيفما تعددت أشكاله يدخل في إطار التوجيه الأيديولوجي للدولة عبر وسطائها في مختلف حقول الاستقطاب السياسي منه أو الاجتماعي ، وبالتحليل التاريخي الانطولوجي نلحظ أن النظام القائم بالمغرب له تاريخ عدائي مشين، حيث قام في فترة الثمانينات و التسعينات باغراق المنطقة بدور الدعارة والمومسات وتسهيل الولوج إلى ذلك بالإضافة إلى تخدير الشباب الصحراوي بمختلف انواع المخدرات والخمور بغية شل نضال الجماهير وتوجيه بوصلتها في الداخل الصحراوي ، بمعنى أن المخزن لم يغفل ابدا عن كيفية التعامل مع المد النضالي العارم الذي يزداد شراسة يوما بعد يوم حتى بعدما حكمت انتفاضة الاستقلال المباركة بفشل تلك السياسة العبثية وتحطم القيود المادية لأول مرة في تاريخ الشعب الصحراوي بالصحراء الغربية بالخروج إلى الشوارع علنا ومواجهة آلة القمع العنيفة بالصدور العارية وصلت إلى حد الاستشهاد كحالة الشهيد حمدي لمباركي.
 
لقد وعى المخزن انه أمام إرادة شعبية صلبة لا يمكن بأي حال توجيهها أو التحكم فيها بسياسات ارتجالية أثبت التاريخ فشلها الذريع ، بل وعرف أكثر من أي وقت مضى أن المنهج الاستراتيجي وحده كفيل بضمان السيطرة على النشئ بعدما طال زمن الصراع وأصبح خناق القضية يضيق به ويشي بالعجز التام أمام إرادة الحق في الاستقلال والحرية .
 
بات من الحتمي والملح في نفس الوقت على الإطارات الصحراوية المناضلة والمنافحة عن قضيتها العادلة سواء الموجودة بالأرض المحتلة أو بالخارج أن تقوم بإعادة هيكلة الفعل النضالي وإعطاء قراءة علمية نقدية لمسيرة الكفاح السلمية مبنية على تقدير سليم للمرحلة وسبر أغوار ومكامن الخلل و العلل التي طالت الجسم النضالي نتيجة ترك إدارة الصراع لعفوية الساحة وعدم استثمار المكاسب الوطنية لصنع ميزان قوة حقيقي من الداخل والذي قد يكون له تأثير فوري ونتائج ايجابية تمضي قدما بالقضية الوطنية إلى بر الأمان وهو الاستقلال .

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *