الجزء الثاني: الكنز المعدني القابع في المحيط الاطلسي يثير حرب الحدود البحرية قبالة السواحل الصحراوية

الجزء الثاني
 
د. غالي الزبير
 
تناولنا في الجزء الأول من هذا المقال أهمية الاكتشاف العلمي المثير الذي أبانت عنه جهود البعثة البريطانية الإسبانية المشتركة لدراسة الجبال البحرية العميقة الواقعة في مياه المحيط الأطلسي قبالة السواحل الصحراوية والتي سبقتها جهود علمية مبكرة لمعهد دراسات المحيط وعدد من الجامعات الإسبانية ونتناول في هذا الجزء الحرب الدائرة في الخفاء للاستيلاء على هذه الثروة البحرية المهمة عبر سعي عدد من دول المنطقة ودول خارجها للحصول على جزء من كعكة الجبل البركاني الأهم المسمى بالمدار أو “تروبيك” كما تسميه المصادر الغربية.
قبل الإجابة عن السؤال الذي يشغل الجميع حول ملكية هذا الكنز الفريد لابد لنا من التطرق إلى جملة من المفاهيم الأساسية المتعلقة بالحدود البحرية بين الدول علما أن الحدود البحرية بين الدول والمنازعات المتعلقة بها تحكمها اتفاقية مونتغو باي (جاميكا) التي وقعت عليها 117 دولة عضو في الأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1982 ودخلت حيز التنفيذ في 16 نوفمبر 1994:
 
– المياه الإقليمية تبدأ من الخط الساحلي الى 12 ميل بحري (الميل البحري يساوي 1.9 كيلومتر) وتمارس الدول السيادة المطلقة على مياهها الإقليمية والمجال الجوي الواقع فوقها وباطن الأرض الذي تمتد عليه.
– المنطقة الاقتصادية الحصرية (exclusive economic zone (EEZ)) التي تلي المياه الإقليمية وتمتد إلى 200 ميل بحري وتمتلك الدول في هذه المنطقة حقوق سيادية بغرض استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية في هذه المياه وقاع البحر وباطن أرضه وحفظ هذه الموارد وإدارتها.
– الجرف القاري يشمل قاع وباطن أرض المساحات المغمورة التي تمتد إلى ما وراء المياه الإقليمية للدولة حتى الطرف الخارجي للحافة القارية، أو إلى مسافة 200 ميل بحري من خط الساحل إذا لم يكن الطرف الخارجي للحافة القارية يمتد إلى تلك المسافة، أما إذا كانت الحافة القارية للدولة الساحلية تمتد إلى مسافة أبعد من ذلك فان الجرف القاري لهذه الدولة يتم تحديده بحدود 350 ميلاً بحرياً.
وبالعودة إلى جبل المدار – محور هذه المقالة – فإنه يقع على بعد 250 ميل بحري (463 كم) جنوب غرب أقصى جنوب جزر الكناري – هييرو مما يعني أنه يقع خارج المنطقة الاقتصادية الحصرية للمملكة الاسبانية كما يقع على بعد 241 ميل بحري من المنطقة الاقتصادية الحصرية للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية فهو إذن يقع خارج الحدود البحرية لأي بلد كما تظهر الخريطة 1.
حرب الحدود البحرية
ما إن بدأت المعلومات الأولية حول الثروات البحرية لجبل المدار (تروبيك) حتى سارعت عدة أطراف إلى السعي إلى ضم هذه المنطقة بالغة الأهمية فقامت اسبانيا يوم 11 ماي 2009 بإيداع طلب لدى لجنة الامم المتحدة المتعلقة بحدود الجرف القاري لتوسيع منطقتها الاقتصادية الحصرية التابعة لجزر الكناري لتبلغ 350 ميل بحري بعد أن أبانت دراسات معهد المحيطات الاسباني أهمية هذه المنطقة وإمكانياتها الواعدة وهو ما تأكد لاحقا بعد اختتام أعمال البحث والتنقيب المشتركة بين العلماء الجيولوجيين الإسبان والبريطانيين ثم قدمت اسبانيا ملفها الفني التفصيلي للأمم المتحدة في 17 ديسمبر 2014 والذي يستند على أن الجزر البركانية الواقعة قبالة الساحل الصحراوي هي امتداد جيولوجي لجزر الكناري وبالتالي هي جزء من الجرف القاري الإسباني هذه التوسعة التي تطالب بها اسبانيا لو حظيت بموافقة لجنة الامم المتحدة المتخصصة فإنها ستضيف لاسبانيا مساحة بحرية تقارب مساحة ايطاليا بأكملها وثروات بحرية ومعدنية لا حصر لها.
 
يقول “لويس سوموزا لوسادا”، منسق فريق بحثي اسباني في تصريح لجريدة الباييس الاسبانية “إنه أكبر توسع للسيادة الاسبانية منذ كريستوفر كولومبوس”.
الخريطة الأولى تظهر منطقة التوسعة الاسبانية والتوسعة الصحراوية
في الأثناء ذاتها قدمت موريتانيا طلبا إلى لجنة حدود الجرف القاري التابعة إلى الأمم المتحدة من أجل توسيع منطقتها الاقتصادية الحصرية شمال غرب حدودها البحرية ليشمل هذا التوسيع منطقة جبل المدار كما تبين الخريطة 2 المرفقة.
سارعت البعثة المغربية بعد خمسة أيام من إيداع الطلب الإسباني إلى اعلان رفض المغرب أي تعديل للحدود البحرية في محيط جزر الكناري دون مفاوضات ثنائية بين المغرب واسبانيا غير أن اسبانيا رفضت مرارا أي تنسيق حول موضوع الحدود البحرية مع المغرب لوجود خلاف عميق يعود لسنة 2001 بين البلدين بشأن الحدود البحرية بينهما.
كما وجهت البعثة المغربية رسالة أخرى إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة تؤكد إحاطة المغرب علما بالطلب الموريتاني ورفض المغرب أي تمديد للحدود البحرية من طرف واحد.
وفي صيف 2017 أعلن المغرب عزمه تقديم طلب إلى الامم المتحدة يرغب فيه في توسعة المنطقة الاقتصادية للمغرب والصحراء الغربية لتشمل جبل المدار أسوة بالطلب الاسباني والطلب الموريتاني حول نفس المنطقة.
وفي يوليو 2017 بعد 42 قرابة سنة من الاحتلال المغربي للصحراء الغربية أعلن المغرب وفي خطوة مفاجئة ترسيم حدوده البحرية وإدراج سواحل الصحراء الغربية في المنظومة القانونية المغربية والدافع الرسمي وراء ذلك وفقًا للتصريحات الرسمية المغربية هو “تثبيت الولاية القانونية للمغرب على هذه المجالات البحرية، وسد الباب أمام كل الادعاءات المشككة في كونها تدخل في نطاق السيادة المغربية”.
وردت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب على الخطوة المغربية بأنها خالية من أية قيمة قانونية أو سياسية بل هي “قفزة في الفراغ” كون المغرب لا يمتلك أي سيادة على الصحراء الغربية وعلى اعتبار أن المياه الإقليمية الصحراوية خاضعة لأحكام القانون رقم 03 / 2009 الصادر عن المجلس الوطني الصحراوي في 21 يناير 2009 الذي يحدد المنطقة الاقتصادية الحصرية للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية كما سلمت السلطات الصحراوية للامين العام للأمم المتحدة يوم 5 مارس 2016 الإحداثيات الجغرافية والخرائط التفصيلية للحدود البحرية للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.
 
أي مستقبل لمنطقة الجبل البركاني الغني بالمعادن؟
تنص المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة على أنه ” يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة أو التحقيق أو الوساطة أو التوفيق أو التحكيم أو التسوية القضائية أو أن يلجئوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها الاختيار.”
ويلاحظ الخبير الاسباني لويس سوموزا أنه “ان التوسعة الاسبانية المزمعة يمكن أن تتداخل مع أي تمديد خارج 200 ميل بحري من الرصيف القاري للصحراء الغربية” وعليه فإن مستقبل هذا الخلاف الافتراضي سيقود إلى مفاوضات ثنائية مستقبلية، لكن الصحراء الغربية التي تخضع لولاية اللجنة الرابعة للأمم المتحدة لإنهاء الاستعمار وعندما تصبح الدولة الصحراوية عضو في الأمم المتحدة فستدخل في مفاوضات مع اسبانيا بشأن هذه المنطقة بالغة الأهمية.
سيناريوهات أخرى
نظرا لوقوع جبل المدار خارج مجال السيادة المعترف به للدول المجاورة له وفي ظل تنازع بين مطالب هذه الدول فقد رأت دول أخرى أن من حقها استغلال هذه الثروات المعدنية الكبيرة بحصولها على تراخيص استغلال مشتركة وبالفعل فقد اعلنت سبع دول هي بريطانيا وألمانيا والهند والصين وروسيا وفرنسا وكوريا الجنوبية استخراج الكنز.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *