استيعاب ما يقع الآن يمر عبر فهم معادلة “السيادة” .

مبارك سيدأحمد مامين / مؤسسة نشطاء .
 
الكل في الآونة الأخيرة ، يحاول الإجتهاد لفهم ما يقع على مستوى الأجزاء التي يحتلها الإحتلال المغربي من وطننا ، بعد جر الدول الجائعة لافتتاح قنصلياتها ، و ترسيم الحدود البحرية بقرار أحادي الجانب من طرف الإحتلال المغربي ، و تنظيم حدث رياضي إفريقي بالأجزاء المحتلة من الصحراء الغربية ، وهي خطوات جائت في وقت متقارب تقريبا ، كما رافقتها دعاية قوية على مستوى الإعلامي . فرغم أن خطوة افتتاح القنصليات الشكلية لا يمكن مقارنتها بترسيم الحدود البحرية، إلا أن الدعاية استطاعت التأثير إلى حد بعيد على الرأي العام الوطني الصحراوي ، فتم التسويق أن الديبلوماسية المغربية انتقلت لمرحلة الهجوم بعدما كانت سابقا في وضعية دفاع ، ولكن الحقيقة أن كل ما يقع هو ردة فعل مغربية على خطوات قام بها الطرف الصحراوي ، الأخير الذي استطاع الوقوف في وجه كل الخطوات المغربية الميدانية خلال السنوات الماضية ، كما أنه _ اي الطرف الصحراوي _ يسير بشكل تدريجي وحذر ” دون ضجيج ” للتعامل مع الواقع الجديد على الأرض . فما خلفيات ما يقع الآن ؟ .
 
– السر الأول ” المقاربة الإفريقية ” :
 
في اعتقادي أنه منذ أربع سنوات تقريبا ، بدأ الصراع في الصحراء الغربية يعرف متغيرات جوهرية عنوانها ” السيادة ” ، أي أن كل طرف سيعمل على فرض ما يريد ، في ظل تراجع أو تعثر تطبيق الإستفتاء ، بناء على معطيات اليوم ، وتهميش قاعدة ( الحفاظ على الوضع غداة توقيع اتفاق وقف اطلاق النار )، وهذا سببه الأول هو الاحتلال و مخططاته، وتراكمات أيضا خلقت المتغيرات السياسية التي طرأت على الصراع، و التي أعطت مبررا لماهو موجود حاليا على الأرض . ورغم أن هذا يحتم بشكل ما، احتمال المواجهة العسكرية ، إلا أن ما يقع الآن من متغيرات على الأرض ، قد يعتبر تراكم للمبررات لاشتعال الحرب أو مواجهة عسكرية، قد تكون مفتوحة أو محدودة .
 
فمباشرة بعد دخول المغرب للإتحاد الإفريقي ، ظهرت تلك اللغة الجديدة ، وتحول النقاش العام من “تمكين الصحراويين من حقهم في تقرير المصير ” إلى” الدولة الصحراوية كواقع وتوجدها من عدمه ” ، وأتذكر أن وزير الخارجية الصحراوية صرح مباشرة بعد دخول المغرب للمنظمة القارية أن دولة الإحتلال ” وقعت في فخ ” ، وبعد ذلك بأسابيع بدأت الديبلوماسية المغربية تقفز يمينا و شمالا ، مما عكس أن شيئا ما يجعل المغرب غير مرتاح في كرسيه داخل البيت الإفريقي .
 
حيث ظهر هذا العامل المؤثر في بيانات الإتحاد ، والذي شدد على ضرورة التفاوض بين “الجمهورية الصحراوية “و ” المملكة المغربية ” ، وهذا أكد أن هناك تغير في جوهر الصراع ، وصفة طرفيه ، فبعدما كان بين “دولة احتلال + حركة البوليساريو ” تحول إلى ” دولة الاحتلال + الجمهورية الصحراوية ” ، وهذا لا يحتاج تفسير أو شرح لتبيان الفرق بين الحالتين . هنا قفز السياسيين المغاربة ليقولوا أن المنظمة القارية غير معنية بإيجاد حل ،لأن الملف في الأمم المتحدة حصرا ، ولكن هذه التصريحات لم تحرك في الواقع الجديد شيئا ، حيث جائت قمة نواكشوط لتعزز استمرار الأفارقة في تعزيز مقاربتهم لحل الصراع ، بتفعيل آلية إفريقية حول الصحراء الغربية تضم رؤساء دول وازنة و محورية .
 
– مقاربة كوهلر في ضوء التصور الإفريقي :
 
زار المبعوث الشخصي للامين العام للامم المتحدة هورست كوهلر الاتحاد الافريقي مرات متعددة ، ونظم اجتماعات مغلقة داخل مقر الاتحاد ، للإطلاع بشكل مباشر و شامل على التصور الإفريقي للصراع في الصحراء الغربية ، وهي إشارة على دور الأفارقة و مدى فاعلية التصور الإفريقي بشأن الصراع ، كما أن تلك الزيارات تجاهلت الموقف المغربي الذي لا يريد أي تدخل أفريقي في الصراع بالصحراء الغربية ، بسبب العامل المتغير المذكور سلفا المتمثل في تغير صفة الطرف الصحراوي من “جبهة البوليساريو ” لـ ” الجمهورية الصحراوية ” .
 
كوهلر وجد أن الدولة الصحراوية شيء ثابت و عضو إلى جانب المغرب في الاتحاد الافريقي ، بالإضافة أن الجمهورية تتوفر على معيار السيادة ، والمتمثل في سيطرة الصحراويين على 71 الف كلم مربع ، اي مساحة تعد أكبر من أزيد من 80 دولة عبر العالم معترف بيها دوليا ، وهي على كل معطيات و واقع لم يستطع المبعوث الشخصي تجاوزه أو تجاهله ، خصوصا أنه كان مهتما بالتصور الافريقي الذي يأخذ بعين الاعتبار وجود الجمهورية الصحراوية .فما كان أمام المغرب سوى ممارسة ضغوطات عبر حلفائه ، لدفع هورست كوهلر للاستقالة، لأن مقاربة الأخير ، التي تأخذ بعين الاعتبار الواقع على الأرض و المنسجمة مع التصور الإفريقي ، مرفوضة من قبل قوى دولية خصوصا فرنسا ، و أداتها المتمثلة في المخزن المغربي .
 
– نظرة الأمريكيين :
 
شكل الضغط الذي مارسه الجمهوريين ، دافعا قويا للمقاربة السياسية للمبعوث السابق هورست كوهلر ، حيث مكن هذا الضغط الذي مارسه جون بولتون عبر مجلس الامن ، من دفع المغرب للتراجع عن كل خطاباته السابقة المتعنتة ، وفرض عليه الذهاب للمفاوضات صاغراً دون شروط مسبقة ، وهو وضع كان المغرب يتخوف منه منذ إعلان الرئيس الأمريكي ترامب تعيين بولتون على رأس مجلس الأمن القومي، وبعد ذلك لوحظ التراجع في قرارات مجلس الامن مباشرة بعد استقال بولتون من مهامه ، مما أظهر وبشكل قاطع الدور الكبير للصقر الجمهوري في الملف . فأصدقاء الجمهورية الصحراوية داخل الحزب الجمهوري كان لهم دور وتأثير كبيرين على الصراع سياسا ،خلال المرحلة الراهنة ، على عكس أصدقاء الشعب الصحراوي من الديمقراطيين الذين يقدمون للقضية في الجبهة الحقوقية بشكل كبير أكثر من السياسية ، وهذا ما يمكن ملاحظته سنة 2013 بعد تقديم مسودة قرار لتوسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الانسان و ما تبع ذلك من أحداث و تطورات في الملف الحقوقي في عهد إدارة أوباما ، أما في عهد إدارة الجمهوريين فسجل التأثير الكبير على الملف سياسيا من خلال جون بولتون ، و الزيارات المتكررة لجيمس إنهوف للجمهورية الصحراوية ، و الذي مرت طائرته القادمة من أمريكا ،في زياته قبل الاخيرة ،فوق أجواء منطقة الزاك / جنوب المغرب ، متجهة صوب مخيمات اللاجئين الصحراويين ( مصدر المعلومة الأخيرة عضو امانة وقيادي في الجبهة ) .
 
فزيارة الوفود الأمريكية و التي تضم “الشيوخ الجمهوريين ” يتزعهم جيمس إنهوف، جائت في الظروف التي تحدثت عنها سلفا علاقة بالتصور الافريقي و نظرة المبعوث الشخصي السابق و مقاربته التي ترفضها فرنسا، كما جائت تلك الزيارات تزامنا مع المعطيات أخرى سأتناولها لاحقا ( المتغيرات على الأرض ) ، وهي إشارات على حضور الأمريكيين و اهتمامهم بهذه المتغيرات الراهنة، وربما نستطيع القول أن تصريحات جون بولتون _الجمهوري_ علاقة بموضوع المينورسو ، أكدت أن وجود المينورسو أصبح متجاوزا ، وكل طرف سيفعل ما يريد ميدانيا على الأرض ، خصوصا أن بولتون أكد ” أن هذه البعثة فاشلة ما لم تستطع تحقق استفتاء لفائدة 72 الف في سكان الصحراء الغربية”.إذن فالمغرب فعل كل شيء للتأثير على الموقف الأمريكي، ولكنه فشل في كل ذلك ، رغم أنه _ أي المغرب _ قطع العلاقات مع إيران وحاول الإدعاء بوجود علاقة بين البوليساريو وحزب الله ، بهدف تصنيف الجبهة كحركة إرهابية، ولم يتحقق ذلك ، وحاول بكل السبل جر الإدارة الأمريكية للتأثير السلبي على الملف لصالح المغرب ، ولم يجني شيء، كأنه كان يلاحق السراب .
 
– السر الثاني ” المتغيرات على الأرض ” :
 
شكلت خطوة المغرب المتمثلة في محاولته التوغل جنوبا خارج الجدار المغربي بمنطقة الكركرات ، بحجة تعبيد طريق لتسهيل عملية لمرور، إشارة أن المغرب أصبح يتحرك ميدانيا خارج قاعدة ( الحفاظ على الوضع غداة توقيع اتفاق وقف إطلاق النار ) ، ورغم أن المبرر كان ” إنسانيا – تجاريا ” إلا أن المعطيات بعد ذلك أكدت أن الجيش المغربي كان يهدف لتعبيد الطريق كمرحلة أولى ، وغلق منطقة الكركرات من ناحية الشرق في المرحلة الثانية ، ليسهل عليه بعد ذلك التعامل بشكل مباشر مع موضوع بلدة لكويرة التي تقع في الجنوب الغربي للمنطقة المذكورة ، و ضمان عدم حصول أي مفاجئات بعد ترسيم الحدود البحرية .
 
وهي معلومات علمت بها بشكل مباشر قبل سنة من الآن عبر مسؤول صحراوي ، حيث أكد أن ” أبعاد مشكلة الكركرات لها علاقة بموضوع لكويرة ، وأن الخطة كانت ليس تسهيل حركة المرور في 6 كلم، كما كان يدعي المغرب، بل الهدف هو عزل الجزء الغربي من جزيرة ( الرأس الابيض )، التي تقع فيها منطقة لكويرة عن الأراضي المحررة ،ولكن كل ذلك تم افشاله بعد إرغام القوات المغربية على التراجع إلى ما وراء الحزام الرملي الفاصل ” .
 
هذا التحرك الميداني الذي قام به الإحتلال المغربي، والذي استطاعت البوليساريو إفشاله ، كان يهدف لعزل السيطرة الصحراوية شرق الجدار ، ويتم إبعاد أي احتمال للتحرك اتجاه المحيط ، كتمهيد لخطوة ” ترسيم الحدود البحرية ” التي أُعلن عنها مؤخرا بشكل رسمي ، ولكن خطوة ترسيم الحدود الأخيرة نُفذت أحاذية الجانب و بدون الحسم في موضوع المجال البحري المقابل لمنطقة الكركرات و الكويرة ، وهو مجال سيبقى مفتوحا على جميع السيناريوهات ، ما قد يجعل الطرف الصحراوي مطالبا في المستقبل بالتحرك اتجاه المحيط المقابل للكركرات ، لفرض _على الأقل_ تراجع القوات البحرية المغربية نحو الشمال المحاذي لمهيريز المحتل ، وتكرار ما وقع على اليابسة / الأرض سنة 2016 بعد فرض انسحاب قوات الدرك و الجيش المغربي إلى ما وراء الجدار .
 
من جانب اخر ، الطرف الصحراوي دشن مقر جديد لرئاسة الجمهورية ببلدة اتفاريتي المحررة ، تزامنا مع انعقاد المؤتمر 15 لجبهة البوليساريو ، و وقع قبل ذاك بأشهر رخص للتنقيب عن المعادن بالأراضي المحررة بشراكة مع شركات أجنبية ، واستقبل الرئيس الصحراوي السفراء المعتمدين لدى الجمهورية ببلدة اتفاريتي ، وهي خطوات دفعت بالمغرب إلى حد التهديد بتوجيه ضربة عسكرية إذا لم تتدخل الأمم المتحدة ، محاولا انتزاع موقف من الأخيرة لتكون قاعدة انطلاق لأي خطاب إعلامي ، ولكن الديبلوماسية المغربية فشلت في كل ذلك ، فلم يمتلك المغرب الجرأة على التدخل العسكري ، وظهر أن السياسيين المغاربة مجرد ظواهر صوتية ، كما لم يتمكن المخزن من إيجاد مبرر سياسي أو قانوني ، ولو حتى تصريح من مسؤول أممي ، يبرر به فعلا ما .
 
– كيف نفهم وماذا نفعل ؟
 
بعد ما تم سرده سالفا ، خصوصا في موضوع ” المتغيرات على الأرض ” التي جائت لتنسجم مع الواقع السياسي الجديد للقضية ، يظهر فعلا أن ما يقوم به الإحتلال المغربي اليوم ، هو ردود فعل يسوقها إعلاميا على أنها إنتصار له في معركة ” السيادة ” ، ولكنه في نفس الوقت يتجاهل أن فتح قنصليات بالعيون و الداخلة المحتلتين لا يعد انتصارا او ورقة جديدة في هذه المعركة ، لأن الطرف الصحراوي قبل ذلك بأشهر ، استقبل فوق التراب المحرر ، السفراء الأجانب المعتمدين لدى الجمهورية الصحراوية ، أما إذا قام البرلمان المغربي بالمصادقة على ترسيم الحدود البحرية ، فإن شطرا يعد بأزيد من 80 كلم _ من نقطة الكركرات حتى لكويرة _ يعتبر خارج السيطرة الكاملة لهذا الترسيم  ، بفضل المقاتل الصحراوي الذي أرغم القوات المغربية على الانسحاب ،بعد توغلها جنوب ثغرة الكركرات سنة 2016 ، مما يعني أن الترسيم الذي يحاول المغرب فرضه ، يعتبر غير كامل وربما يقوم الطرف الصحراوي بخطوة تصعيدية على مستوى المحيط المحاذي للكركرات و لكويرة، تبعثر الأوراق و تعيد الحسابات . ( وانشاء الله تخلگ ) .
 
في الأخير ، أقول أن الأراضي المحررة في الوضع الراهن تعرف حركة تجارية مقبولة ، فمن سافر عبر الطريق المؤدية لبلدة اتفاريتي و مهيريز و المناطق الواقعة جنوب ذلك ، سيلاحظ شاحنات كبيرة محملة بالبضائع ذهابا و إيابا من الاراضي الموريتانية نحو المناطق المحررة و العكس ، وهو على كل جو تجاري جيد رغم انعدام طريق معبد يسهل حركة السير ،و ما ينقص هذا الواقع هو الإقدام و الحسم وحسن الإستثمار من الطرف الصحراوي من خلال تعبيد طرق في تلك المناطق نحو الحدود ، كمرحلة أولى ،  وهذا سينعكس على خزينة الدولة الصحراوية على المستوى الإستراتيجي من خلال الجمارك ، و أيضا سيشجع الإعمار و الإستقرار في تلك المناطق ، أما الإنتظار و التريث المبالغ فيه فأعتقد أنه قد يضيع الكثير من الفرص .
Comments

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *