هل تكون الأحكام الجائرة الأخيرة ردة فعل، بعد فشل استراتجية “المربع الأخضر ” و “المربع الأحمر” التي استمرت سنوات ؟

مبارك سيدأحمد مامين / مؤسسة نشطاء
 
أصدر قضاء الإحتلال خلال الأشهر الماضية عددا من الأحكام الجائرة في حق الأسرى المدنيين الصحراويين الذين اعتقلوا على خلفية أنشطتهم النضالية و السياسية ، كان آخر هذه الأحكام الحكم ب20 سنة على المناضل الشاب خطري فراجي دادا، كما وزع نفس القضاء المُسير أحكام ثقيلة تصل عشرات السنين على شبان آخرين متابعين في قضايا أخرى ، وهي الأحكام التي خلقت جدلا على مستوى الرأي العام و حملة تنديد واسعة ، كون هذه الأحكام الثقيلة استهدفت فئة الشباب بشكل واضح ، مما طرح تساؤلا عريضا ؛ حول أسباب هذا النهج وما الغاية منه؟ .
 
ولكي نستطيع فهم دلالات و أبعاد هذا لأمر، لابد أن نحدد الظرف الذي انطلقت فيه حملة الأحكام القاسية التي كانت فئة الشباب بالخصوص ضحية لها ، و أعمار من استهدفهم الإحتلال بهذه الأحكام، حيث أن هذه الحملة الجديدة بدأت مباشرة بعد انتفاضة 19 يوليوز 2019 ؛ وإن تمعنا جيدا في تلك الملحمة ، التي سقطت فيها الشهيدة الصحراوية الشابة صباح عثمان حميدة ، سنجد أن الفئة التي قادت تلك المعركة وكانت قاعدتها الأساسية هي فئة الشباب ، و حملة الاعتقالات بعد ذلك بأيام استهدفت مجموعة من الشباب الصحراوي المناضل، الذي لازال بعضه في السجون المغربية ، انتقاما من مشاركته في تلك المحطة النضالية .
 
السلطات المغربية ومن خلال اجتماعات أمنية مكثفة عقب انتفاضة 28 يونيو 2018 و ملحمة 19 يوليوز 2019 ، استنتجت أن قاعدة تلك الانتفاضات هي من فئة الشباب ، وأعمارهم بين 18 إلى 23 ، مما يعني أن مواليد 1998 – 1999 – 2000 وحتى 2001 ، كانوا حاضرين بقوة في تلك المظاهرات و المسيرات ، وهي نفس الفئات العمرية التي حاول الاحتلال احتوائها و أدلجتها خلال السنوات الماضية ، مما يعني أن رهان دولة الإحتلال على ما يسمى ” مجتمعها المدني ” و ” شبيبة أحزابها ” في الأرض المحتلة لم يحقق الأهداف الكاملة للاستراتيجية التي انطلقت سنة 2014 ، و التي ارتكزت على احتواء الأجيال الجديدة من الصحراويين .
 
– ما طبيعة ” استراتيجية 2014 ” ؟
 
وحسب ما توصلت به مؤسسة نشطاء من معلومات سنة 2015 ، فإن السلطات المغربية قسمت مجال الفعل بكل أشكاله بالأرض المحتلة إلى فضائين ؛ ” فضاء أخضر ” يضم ( الأحزاب – جمعيات مجتمع مدني مغربي – مؤسسات إعلامية مغربية يسيرها صحراويين … ) ، “وفضاء أحمر ” يضم ( جمعيات وتنسيقيات صحراوية مناضلة – خلايا سرية نضالية – وسائل اعلام مقاومة ) ، حيث حاولت السلطات بكل ما امتلكت من إمكانيات توجيه فئة الشباب نحو الفضاء الأخضر، من خلال خطاب و أدوات صحراوية ، لكي تصل الأجهزة المغربية بشكل تدريجي لمرحلة عزل ” الفضاء الأحمر ” عن فئات الشباب وعن المحيط الإجتماعي .
 
كما توصلت السلطات لمجموعة من الأدوات و الآليات ، حاولت من خلالها تعميق ذلك العزل بين ” الفضاء الأحمر ” و فئات الشعب ، حيث ركزت على عامل التشويه عبر مواقع استخباراتية و حسابات فيسبوكيبة مجندة لتشويه المناضلين و النيل من سمعتهم، ومنع التجمعات و الندوات التي كان ينظمها المناضلين كالندوات الفكرية و السياسية و الخيمة الرمضانية ..الخ ؛ في مقابل ذلك عملت أجهزة الاحتلال على التسويق الإعلامي للأنشطة التي تنظمها ( الأحزاب المغربية و الجمعيات المغربية … الخ ) أي الفضاء الأخضر، الذي يهدف إلى احتواء الشباب وابعادهم عن أي تعبير سياسي يتمشى مع البوليساريو أو فعل نضالي ميداني في الساحة النضالية .
 
 
هذه الإستراتيجية كانت تقضي خلق عزل بأي شكل من الأشكال ، عبر استهداف الشخص الفاعل في المربع الأحمر وعزل تأثيره عن محيطه خصوصا فئة الشباب ، وهذا العزل يتم بطرق ناعمة ، وفي حالة فشلها تلجأ السلطات للعنف و الاعتقال و الترهيب ، أي في حالة فشل مقاربة الإحتواء من خلال ( الأحزاب – المجتمع المدني المخزني … الخ ) ، يتم اللجوء للاعتقال و السجن ، وهذا ما يبرر ارتفاع معدل الاعتقالات في صفوف الشباب وحتى القاصرين خلال الثلاث السنوات الماضية ، حيث تعمد سلطات الإحتلال لاعتقالهم و سجنهم لمدة تتراوح بين 4 أشهر و السنتين، لإبعادهم عن فئات شبانية أخرى تحاول السلطات استقطابها.
 
– فشل الإستراتيجية :
 
اليوم وبعد مرور سنوات ، ومن خلال محطتي 28 يونيو 2018 و 19 يوليوز 2019 ، التي كان الشباب في مقدمتها ، أُثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه يصعب اجتثاث فكر البوليساريو من أذهان الصحراويين ، وأن رهان الإحتلال على عامل الوقت وتغير الأجيال وعوامل الزمن كان خاطيء ؛ وهو الإستنتاج الذي دفع اليوم بالأجهزة المغربية لاستهداف الصحراويين و الزج بأي شاب في السجون لمدة طويلة ، وهذا أثبتته الأحكام الأخيرة التي كان فيها قضاء الاحتلال يوزع 20 سنة و 10 سنوات و 6 سنوات على كل شاب صحراوي مهما كانت تهمتة سياسية أو غير سياسية ، بل عاد لسياسته القديمة المتمثلة في اعتقال النساء و الزج بهم في السجون ، كحالة المناضلة الميدانية المحفوظة بمبا لفقير .
 
ربما دخلت الأجهزة المغربية في مغامرة جديدة ، ترتكز على الرفع من مستوى القمع و توزيع أحكام ظالمة ظلما و عدوانا ، بهدف الحد من أي فعل مستقبلي جماهيري كمحطة 28 يونيو و 19 يوليوز ، وإرسال رسالة للكل أن أي فعل سياسي ميداني يقوده الشباب سيترتب عنه 20 سنة سجنا فما فوق ؛ ولكن هذه الأجهزة ربما تناست بفعل ارتباكها و تخبطها، أن هذه الأحكام الجائرة التي تستهدف هؤلاء الشباب ستضاعف الشعور بالظلم عند العائلات و الأصدقاء. ..الخ، و ستزيد من ضرورة الانتفاضة على هذا الواقع المرفوض ، وهو الوضع الذي يمهد لانتفاضات أكثر قوة من السابق ؛ فإن كان الاحتلال يعتقد أن هذه الأحكام ستؤثر على الفعل النضالي فهو بذلك يثبت من جديد أنه تلميذ غبي لا يستفيد من أخطائه ، لأنه اعتقد في السابق بعد الأحكام الظالمة في حق أسود كديم ازيك أن الكل سيتراجع، ولكن المحطات التي جائت بعد ذلك أثبتت العكس ، وهو السيناريو الذي سيتكرر في المستقبل القريب ولكن أكثر قوة وتأثير هذه المرة .
 
– خلاصة :
 
قد نقول أن الاحتلال حقق عزلا نسبيا بين فئة الشباب و ” المربع الأحمر ” بشكله المنظم ، ولكنه _ اي الإحتلال _ لم يحقق أي عزل بين الشباب ( جيل ما بعد كديم ازيك ) و القضية الوطنية ، حيث كان هذا الجيل فاعلا و متواجدا في الميدان، و قدم الأسرى بالسجون و الشهداء، وأطر نفسه بنفسه و واجه الإحتلال بما يراه مناسبا وفعالا ، وهو جيل لا يزال يستحق منا أن نقدره و نحترمه ونكون له السند .

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *