حرب التحرير الوطني…استمرارية بلا هوادة

تستمر الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، في الوفاء لبيانها الصادر يوم الجمعة 13 نونبر 2020، القاضي بإنهاء سريان اتفاقية وقف إطلاق النار، والعودة إلى حرب التي ستكون حرب ضروس، تعوض ما فات، من ثلاثة عقود من تكميم صوت البنادق والمدافع، وفسح المجال لمنطق الحوار والتفاوض الذي لم يعطي الغايات المرجوة منه.

بعد زهاء أسبوعين من إعادة نشوب فتيل الحرب، بفعل الخرق الذي تسببت فيه المملكة المغربية لاتفاق وقف إطلاق النار، بإقدامها على فتح ثغرات غير شرعية بمنطقة الكركرات، التي لم تمثل سوى جزء -بعد الواقعة- من المحيط الذي اشتعل على طول الجدار الدفاعي المقسم لإقليم الصحراء الغربية، وهو ما قد تنذر بحرب مفتوحة، قد لا ينحصر مجالها بإقليم الصحراء الغربية فقط، وإنما قد يتجاوز حدودها ليشمل الداخل المغربي أو المنطقة برمتها، لذلك، تتسارع الأحداث والمجريات، على مستويين أساسيين:

فعلى المستوى الميداني، تستمر وحدات الجيش الشعبي الصحراوي، في إمطار خنادق جنود وجحور الاحتلال بالقصف المدفعي المتواصل على طول جدار الذل والعار، ويتواصل معه التحاق المقاتلون الصحراويون إلى نواحيهم العسكرية، وتوافد الشباب على مدارس التدريب لخوض مرحلة تأهيل قبل الالتحاق بجبهات القتال خلال الأيام القادمة.

وقد تكبدت على إثره دولة الاحتلال خسائر في الأرواح والمعدات، بالرغم من أنها لا زالت تنكر ذلك، غير أن عائلات الضحايا رفعت اللبس الذي حاولت جاهدة تغطيته، بنشر صور وأسماء الضحايا في منصات التواصل الاجتماعي، وتصريح بعضهم في شهادات مصورة، ولا يعد هذا إلا غيضا من فيض، ستكشف الأيام المقبلة خباياه المستورة…

وتعمل جبهة البوليساريو على التصعيد التدريجي في تكتيها العسكري، من حيث عدد ونوعية المواقع المستهدفة، والأسلحة المستخدمة، وكذا القوة البشرية الموظفة، وتوقيت شن الهجمات، إلى حين أن تصل ذروتها خلال الأسابيع المقبلة، وذلك لتعويض ما أهدرته من عقود في مرحلة السلام، أثبت، بعد مرحلة تقييم، أنه يبتعد عن مساره الحقيقي.

أما على الصعيد الدبلوماسي، تعمل دولة الاحتلال على تسلق الأسلاك الدبلوماسية بمختلف مناحيها، الغربية والشرقية، من أجل ترويج أسطوانتها المشروخة، التي تجد سندها في أحلافها التقليدية، حيث لا يدخرون جهدا في الدفاع عن أطروحتها، بما تجمعهم من مصالح استعمارية تتكالب على الشعب الصحراوي، غير أن الوضع الحالي، قد لا يسعفه في الاستفادة من الوضع السابق الذي عرفته حرب الصحراء الغربية الأولى (1975-1991)، بالنظر للأوضاع الاقتصادية والسياسية التي تمر منها البلدان التي كانت بالنسبة له السند والداعم الأساسي في تغطية كلفة الحرب وتأدية فاتورتها المكلفة جدا، زادت من تفاقهما جائحة كورونا التي عصفت بعديد من هذه الاقتصاديات، وفاقمت في كسادها التجاري وعمقت من عجز موازناتها…

والمغرب، كغيره من حلفائه التقليديين، يسبح في نفس الفلك، اقتصاد هش، ووضع اجتماعي مزري، تنخره الهشاشة وتفشي معضلات الفقر والبطالة إلى مستويات عالية، وتزيد من تفاقمه مديونيته وعجز ماليته وميزانه التجاري الذين بلغا مستويات قياسية، فيما البعد السياسي يطفح على سفيح ساخن، مرض الملك، والتحضير لخوض انتخابات تشريعية وجهوية وجماعية على بعد أشهر، خلال الربع الثاني من سنة 2021، التي ستكلفه 1.5 مليار درهم (150 مليون دولار)، ولعل الانخراط في هذه الحرب، خلال هذه الآونة، التي لم يكن يدرجها ضمن حساباته بما ستكبده من خسائر متعددة، ستفرض عليه على مضض، وبعد تعنت، تفعيل المقتضيات الدستورية التي تنص عليها الفصول 49 و59 من الدستور المغربي، بإشهار الحرب وإعلان حالة الاستثناء، وهو ما سيدخله في مستنقع من الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حاول جاهدا أن يكون في غنى عنها، لذلك تعمل آلته الدعائية على تضليل ذهنية وعقلية الشعب المغربي، بانتهاجه للحلول السلمية والدبلوماسية، وتركيزه فقط على الثغرة غير الشرعية في الكركرات، وتسخير وسائل الاعلام الرسمية فقط، في حين منعت الصحافة الدولية المستقلة من تغطية الأحداث، بينما هو يعمل في مواجهة أشاوش جيش التحرير الشعبي الصحراوي، بعيدا عن عدسات الكاميرا طبعا، الذين يدكون حجوره بالقصف طوال فترات اليوم على طول الجدار الرملي.

وإذا كانت دولة الاحتلال، تراهن على كسب الوقت من أجل تأمين الثغرة غير الشرعية بالكركرات، ببناء أحزمة رملية داخل المنطقة العازلة وزرعها بالألغام وتسييجها، لمنع كتائب الجيش الشعبي الصحراوي من الانتشار داخل هذه المنطقة، وكذا العمل على تعبيد المنطقة العازلة لتمتد إلى الحدود الموريتانية، لتضفي عليها صبغة منطقة عبور دولية لتدفق السلع والبضائع، وفق ما تسخر لذلك فرنسا أذرعها الدبلوماسية، مستندة على لوبيات الكيان الصهيوني، الذي أصبح ينشط مؤخرا في الأحلاف التقليدية لدولة الاحتلال، التي لن تتأخر هي الأخرى في ركوب سفينة التطبيع العلني، بعد أن كانت تمثل في الحقيقة ربانها الخفي طوال عقود من الزمن، كصك على الدعم الذي حظيت به في المحنة التي افتعلتها بنفسها خلال الأسبوع المنصرم، حينما دفعتها لذلك راعية مشروعه الاستعماري فرنسا.

غير أن كافة الأشغال التي تقوم دولة الاحتلال بإنجازها على قدم وساق، مسخرة لذلك مختلف الوسائل والآليات، أصبحت تحت تهديد واضح ومكشوف، دخل مرحلة عده التنازلي، بعد إعلان جبهة البوليساريو، بأن منطقة الصحراء الغربية أضحت في نطاق حرب مفتوحة، أرضا وجوا وبحرا، زكاه النداء المستعجل الذي عممته الحكومة الصحراوية على كافة الدول والمنظمات العامة والخاصة، بتوقيف أنشطتها في منطقة الصحراء الغربية، الشيء الذي يمثل تحذيرا صريحا لكل من يعبر من وإلى الصحراء الغربية عبر المنطقة العازلة، بعد يوم الأربعاء 18 نونبر 2020، مما يعني أن المنطقة العازلة، ستصبح هدفا مباشرا لوحدات الجيش الشعبي الصحراوي، بعد محاولاته خلال الأيام الماضية، التغاضي عنها حفاظا على سلامة المدنيين.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *