استنفاد أدوات الخِداع …

مبارك سيدأحمد مامين
وضْع غير مريح هذا الذي يعيشه نظام المخزن المغربي اليوم ، كنتيجة متوقعة لسنوات من ( أَطْلَ عْلى لُوْبَرْ ) بالحسانية و ( لَعْكَرْ عَلَى لَخْنُونَ ) كما يُقال بالعامة المغربية ، وهي أزمة على كافة المستويات الداخلية و الخارجية ، وذلك بعد تنامي العوامل المُعمِقة لأزمة الرباط الداخلية وتناقض خطابها الموجه للخارج و الداخل . فرغم أن المخزن حاول التسويق ( لاستقرار داخلي ) مزعوم ، من خلال انتخاباته الفلكلورية الأخيرة ، إلا أن خبراء في الشأن المغربي أكدوا وجود أزمة سياسية داخلية ، في ظل استنزاف المخزن لكافة أوراقه التي كانت تُستعمل لخداع الشارع المغربي و كذلك لتسيير الأزمات و القفز عليها للتنفيس السياسي ولو مرحليا ، وهي أزمات كان ولازال السبب فيها تراكم الثروة المنهوبة في جيوب أقلية حاكمة مقابل ملايين المغاربة من المطحونين و الفقراء ، بالإضافة لبلقنة المشهد السياسي الذي أنتج ملايين المغاربة الذين لا يؤمنون بالممارسة السياسية و يقاطعون كل أشكالها ، وهذا أثبتته الإنتخابات الأخيرة التي قاطعها 17 مليون من أصل 25 مليون مغربي لهم السن القانوني للتصويت ، هذا مع تنامي الوعي بمسؤولية الحاكم الحقيقي للمغرب ودوره في الأزمة ، والمتمثل في الملك الذي يعتبر رأس دار المخزن ، الأخيرة التي كانت لسنوات تعتمد على ” حكومات لا تحكم ” وُضِعت في المواجهة و التصادم مع الشعب ، ولكن هذه الخُدعة التي وضع فيها القصر حكومات لا تحكم في مواجهة الشارع أصبحت لا تنطلي على المغاربة ، فحراك 20 فبراير و بعد ذلك الريف كانوا يخاطبون القصر وليس المحكومة ، أي أن المغاربة الذين تأثروا بخطاب الدعاية بعدما كانوا يقولون ( الملك زوين ، المشكل ف هذوك لدايرين بيه ) ، أصبحوا يقولون اليوم للمخزن وبسخرية ( ما دام الملك هو الذي يحكم ، الإنتخابات لاش ..؟ ) . ولكي نفهم الوضع الراهن للمغرب لابد من المرور على الماضي لفهم الحاضر ، خصوصاً أن أساليب دار المخزن لم يطرأ عليها جديد ، مع الأخذ بعين الإعتبار التطورات المهمة التي طرأت على المستوى الإقليمي سياسياً و اقتصادياً .
– ( حالة الاستثناء ) / ( تغيير الدساتير ) :
لقد استعمل المخزن منذ الإستقلال الشكلي سنة 1956 عدة ” أساليب و أدوات ” للتنفيس لتجاوز الأزمات السياسية و الإجتماعية الداخلية التي حلت بالمغرب ، ( كحالة الإستثناء ) من 1965 إلى 1971 ، وهي المرحلة التي سيطر بيها الحسن الثاني على مختلف المؤسسات بعد صراع عميق بين القصر و بعض الأحزاب المعارِضة ( الإتحاد الوطني للقوات الشعبية ) ، نتج عنه احتجاجات عارمة ( أحداث مارس 1965 ) ، وهي أحداث واجهتها دار المخزن بلغة النار ، فلم يجد نظام الحكم في المغرب من طريقة للتعامل مع الأزمة سوى ( إعلان حالة الاستثناء ) وحل البرلمان و اعتقال قيادات الأحزاب المعارضة ، ومن حينها أصبح النظام المغربي يحاول إيجاد سبل تضليلية و احتيالية للسيطرة على الأوضاع بأقل الخسائر الممكنة ، فاعتمد النظام على أسطوانة ( تعديل الدستور ) ، فتم ذلك مباشرة قُبيل رفع حالة الاستثناء ، وتم تعديل الدستور سنة 1970 ، وهو الدستور الذي لم يأتي فيه النظام بأي جديد وبقت كافة السلط في يد دار المخزن . فتكتيتك ( تعديل الدستور ) من بين الأساليب التي لطالما اعتمد عليها النظام للقفز على الأزمات ، ولعل تجربة 20 فبراير و دستور 2011 الذي تعامل به نظام المخزن مع رياح ما كان يعرف ب ” الربيع العربي ” خير مثال ، فقد تغير الدستور ولازالت دار لقمان على حالها .
و بعد الإنقلابين العسكريين سنتي 1971 و 1972 ، استنتج النظام أن الخطر لم يعد مصدره السياسيين و الأحزاب فقط بل أصبحت الآلة القمعية ، التي كانت دار المخزن تعول عليها لقمع الأصوات المعارِضة ، أكثر خطورة من باقي الفاعلين ، فلم يجد من أسلوب يتعامل به مع أزمة الإنقلابات تلك سوى بالتقدم نحو المغامرة الإستعمارية و الدفع بالجيش المغربي نحو الصحراء الغربية لاحتلالها سنة 1975 ، و التخلص من خطر الجيش و إبعاده عن المركز لعشرات السنوات ، مع اغتيال قيادات الجيش كما حدث مع الجنيرال الدليمي بداية ثمانينات القرن الماضي ، بالإضافة للعمل استراتيجياً لتغيير قيادات الجيش و استبدالهم تدريجيا بضباط لم يراكموا تجربة سياسية و عسكرية ، ولم يعيشوا مراحل الإنقلابات ومرحلة ما بعد الإستقلال الشكلي ، مع إبعاد رموز القبضة الأمنية من الوزارات القمعية ذات المهام الحساسة كما حدث لإدريس البصري وزير الداخلية و لعنيكَري واستبدالهم بوجوه جديدة تقوم بنفس المهام كالحموشي مدير ديستي و المنصوري مدير لادجيد نموذجاً .
وما إن فشل المخزن في استعمال ورقة مغامرته في الصحراء الغربية لإقناع الجميع بالصمت ، سياسيين أو عسكريين ، و في نفس الوقت تأكد الحسن الثاني أن الخطر لم يعد كالسابق ما دام إبنه سيتسلم الحكم في ظروف يطبعها غياب جنرالات الإنقلابات بفعل الإعدامات و الشاهدون عليهم بفعل الإغتيالات ، وكذلك توفر نخب سياسية تم تدجينها فأصبحت مخزنية أكثر من المخزن نفسه ، وقبل وفاة الحسن الثاني ولكي يتم القفز مجدداً على أي أزمة ممكنة في تلك المرحلة الإنتقالية للحكم داخل القصر ، أظهر المخزن ” تنازلاً شكلياً ” بالدفع بالمعارض المغربي اليساري عبد الرحمان اليوسفي لرئاسة الحكومة الشكلية بعدما رفع الرجل الراية البيضاء أمام الحسن الثاني تحت غطاء ” التناوب التوافقي ” ، فمرت تلك المرحلة واستمر الحكم بنفس آليات التنفيس و القفز على الأزمات ، حتى وصلت مرحلة رياح ( الربيع العربي ) ، وخروج المغاربة في حراك جماهيري قادته ” حركة 20 فبراير ” ، وخرج الملك ليقول ما قاله والده في مراحل سابقة ( سنغير الدستور ) ونأتي بالمعارضة للحكومة ، ولكن الدستور غيرت فيه الكلمات لا المضمون وجاء بحزب إسلامي للمحكومة .
– استنفاد أدوات التعامل مع الأزمات .
استعمل المخزن اليساريين و ( حكومة التوافق ) وبعد ذلك تسويق خطاب ( العهد الجديد ) لإدارة المرحلة الإنتقالية للحكم نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين ، و عاش المخزن أزيد من عشر سنوات على هذه الخدعة ، وبعد ذلك اعتمد على الإسلاميين و خدعة ( تغيير الدستور ) سنة 2011 للتعامل مع أزمة حراك عشرين فبراير ، وعاش بها عشر سنوات أخرى ، فعلى ماذا سيعيش المخزن اليوم بعد 2021 ؟ . فمن يراقب المشهد السياسي الراهن في المغرب ، خصوصا بعد انتخابات 8 شتنبر الأخيرة ، سيستنتج غياب الأدوات التي يمكن لدار المخزن المراهنة عليها لمواجهة التحديات الداخلية ، وهو ما يبرر لجوء النظام المغربي لسياسة العصى اتجاه كل الإنتفاضات التي تلت حراك عشرين فبراير ، كحراك الريف و جرادة و مسيرات الأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد ، و استهداف الصحفيين المغاربة المناهضين لسياسة المخزن ، وهي مؤشر على استنفاد ( سياسات لقوالب و الخداع ) ، ولعل صعود حزب الحمامة الذي يقوده عزيز أخنوش إبن عتبة دار المخزن يؤكد غياب أي تكتل سياسي يمكن استعماله للقفز على الإضطرابات القادمة ، في ظل استماتة جماعة العدل و الإحسان في مقاطعة أي انتخابات أو أي تعامل مع دار المخزن ونفس الشيء بالنسبة لحزب النهج الديمقراطي ، رغم الفارق بين الجماعة و النهج من حيث التأثير و الأتباع و الإمكانيات .
وبعد مرور أشهر على عودة الحرب من جديد للصحراء الغربية بعد مغامرة المخزن في منطقة الكركرات 13 نوفمبر 2020 ، و تعيين أمين عام حزب الحمامة رئيساً للمحكومة وهو حزب أسسه أحمد عصمان الذي كان والده جندياً في الجيش الفرنسي ، كما أن أحمد صهر الحسن الثاني وإبن دار المخزن المخلص ، و مع صعود حزب الحمامة الذي يقوده اخنوش في هذه الظرفية ، وتغيير الجنرال عبد الفتاح الوراق بالجنرال بلخير فاروق ، الذي له تجربة في الحرب السابقة ( 1975 – 1991 ) ، وتعيينه مباشرة بعد بدأ مشاورات تشكيل المحكومة ، هو بمثابة مؤشر على توجه دار المخزن نحو ترتيب البيت الداخلي قُبيل ” الإستثمار السياسي ” في الواقع الميداني الجديد المتمثل في وجود الحرب في الصحراء الغربية ، وسيكون اعتراف المغرب بالحرب في الأفق القريب ، وقد يكون ذلك مباشرة مع أول عملية عسكرية كبرى في الجدار المغربي ينفذها الجيش الصحراوي ، وبذلك ستحاول دار المخزن من جديد تصدير الأزمة نحو الصحراء الغربية ” كأسلوب جديد قديم ” للإلتفاف على الخطر الداخلي الذي أصبح يقوده الشعب بمفرده ميدانيا ، بعدما تم تدجين السياسي و إبعاد العسكري .
– الوضع الإقليمي الجديد ودوره في تعميق أزمة المخزن .
تقول أغلب المؤشرات ، أن نظام المخزن لم يتوقع أن تعود جبهة البوليساريو وحكومة الجمهورية الصحراوية للحرب ، وهذا بسبب اعتماد المخزن على معطيات و تقارير أمنية فرنسية سابقة همس بها الفرنسيون في أذن محمد السادس و النخبة الحاكمة اليوم في المغرب قائلين : ( ماطِل و تراجع عن الإلتزامات ، فالصحراويين لن يحملوا السلاح مجدداً ) ، وهو كلام فرنسي أخذته دار المخزن كقاعدة رياضية يصعب تغييرها ، رغم أن السياسة رمال متحركة وطقس يتغير بتغير المعطيات و الظروف ، وهو ما حدث في 13 نوفمبر 2020 واستطاع الصحراويون التخلص من اتفاق وقف إطلاق النار ، و العودة للحرب وجعلها مفتوحة لا أفق محدد لها ، والأكثر أن الحرب عادت و البوليساريو استفادت من تجربة سيئة طويلة من المماطلة ( 1991 – 2020 ) ، ما يعني أن الحرب الراهنة قد يستحيل توقفها دون تحقيق حل يضمن تقرير المصير و الإستقلال .
والملاحظ أنه وبعد 13 نوفمبر ، تاريخ عودة الحرب ، تسارعت تطورات السياسية على المستويين الإقليمي و الدولي ، بدءً بتغريدة الترامب و إعلانه ( الإعتراف بمغربية الصحراء ) و عزم الولايات المتحدة فتح قنصلية بمدينة الداخلة المحتلة وهو الأمر الذي تراجعت عنه الإدارة الجديدة بقيادة بايدن ، ولم يتم افتتاح القنصلية حتى كتابة هذه السطور ، كما زاد المخزن من هجومه على دول الجوار وتهديد أمنها ، بتطبيع العلاقات مع إسرائيل وما يشكله الأمر من تهديد للأمن القومي الجزائري و فتح الحدود أمام آلاف المغاربة للهجرة نحو إسبانيا وقبل ذلك قطع العلاقات مع ألمانيا وهو ما اعتبرته أوروبا عدواناً مغربيا على أمنها و استقرارها .
ومن المرتقب أن تنعكس الخطوات المريضة للمخزن ، المشار لها أعلاه ، على الإقتصاد المغربي وبالتالي تعميق المشاكل الإجتماعية أكثر من السابق ، في انتظار قرار محكمة العدل الأوروبية نهاية الشهر في ما يتعلق بالطعون التي قدمتها جبهة البوليساريو اتجاه الإتفاق ” الأوروبي / المغربي ” الذي يشمل الثروات الصحراوية ، وما يشكله هذا الأمر من خسارة كبيرة للإقتصاد المغربي الذي يعتمد بشكل كبير على نهب الثروات الصحراوية ، وكذا وجود تنافس جديد على السوق الإفريقية خاصة في السوق الموريتانية و السنيغالية باعتبارهما دولا كانت في السابق سوقاً للمنتجات المغربية بشكل كبير خاصة الخضر ، و مناطق عبور للمخدرات المغربية في نفس الوقت .
ويُعتبر التوجه الإقتصادي الجديد للجزائر اتجاه دول الجوار الإفريقية مفيد بشكل كبير وله انعكاسات إجابية على الإقتصاد الجزائري ولكن بدرجة أكبر محاصرة قوى الشر التي تعبث بالمنطقة وتعتدي على جيرانها كالمغرب و حلفائه ، مع فتح الحدود مع عدد من الدول المجاورة و تعبيد الطرق لتسهيل الحركة التجارية ، و مساعدة اقتصاد عدد من البلدان بمساعدتها في دفع ديونها الخارجية ، و الدفع نحو حل أزماتها الداخلية لخلق الإستقرار الداخلي لتلك البلدان وتنمية قدراتها العسكرية لمواجهة المخاطر الإرهابية ؛ كلها عوامل تجعل البلدان الإفريقية خصوصا المجاورة للجزائر تجد في الأخيرة حليفاً استراتجياً ، على عكس نظام المغرب الذي يسير بمنطق الوعود و بيع المشاريع الإقتصادية الوهمية للكثير من بلدان القارة ، بالإضافة لمنهجية الإبتزاز كونها ركيزة للسياسة الخارجية المغربية ، وأخيراً تهديد الوحدة الترابية للجزائر وما ترتب عن ذلك من إعلان الجزائر قطع العلاقات مع المغرب وانعكاس هذه الخطوة على اقتصاد المخزن الذي كانت عدد من القطاعات تعيش على ما تجود به الجزائر ، كأنبوب الغاز مثلاً ، الذي يمر من التراب المغربي نحو أوروبا و الذي كانت تحصل منه الرباط على أزيد من 600 مليون متر مكعب من الغاز أي أزيد من نصف الإستهلاك الإجمالي للمغرب و المقدر ب 750 مليون متر مكعب سنويا . وهي ظروف راهنة ستضاعف من تأزم الرباط وستزيد من تراجع تأثيرها السياسي في محيطها و ستعمق من أزمتها الإقتصادية وما يشكله ذلك من مخاطر على وضعها الداخلي الهش أصلاً .

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *