الريسوني، والجهر بما في الصدور!

أحدثت تصريحات الدكتور أحمد الريسوني صدمة لدى شعوب وحكومات المنطقة، وفتحت أعين دول الجوار على خطر ماثل للعيان وداهم للأوطان، يؤسس لربما لحروب وفتن مستقبلية الله وحده أعلم بمألاتها، فهل كانت تصريحات الريسوني حقا شيئا محدثا؟، أم إستمرارا لهنج متواصل من الحروب والسياسات التوسعية والتنظير الممهدة لها من دولة ذات حدود غير معرفة؟.

تنص المادة 42 من الدستور المغربي، من خلال فقرة “الملك هو ضامن إستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة”، تنص على إعتبار الحدود المغربية مسألة مفتوحة ومطاطية قابلة للتوسع متى كانت الفرصة سانحة!.

يمكن التأكيد أن تصريحات الدكتور أحمد الريسوني الأمين العام للإتحاد العالمي للعلماء المسلمين، والتي قال فيها “وجود موريتانيا غلط، فضلا عن الصحراء، وهم صناعة إستعمارية”!، وأكمل بالقول أن “الشعب مستعد للجهاد بماله ونفسه، إذا دعى الملك لمسيرة بالملايين والجهاد، مضيفا أن “علماء المغرب ودعاته مستعدين، للقيام ليس بمسيرة إلى العيون، بل إلى تندوف”!، ورغم خطورة التصريحات القادمة من قامة يفترض بها العلم والكياسة والسعي لرأب الصدع ووأد الفتن بين المسلمين، يمكن التأكيد أنه في حقيقة الأمر لم يبتدع قولا محدثا أو جديدا ولم يأت بشئ عجاب مستغرب ضمن أبجديات المخزن ومن يدور في فلكه، فقد سبقته السياسة العامة لنظام بلاده القائمة منذ عشرات السنيين على مبدأ التوسع والضم، لذا فإن ما جاء به الرجل يشكل فقط كشفا لما يضمرون وإفصاحا لما يخالج نفوس وقلوب رجالات الدولة العلوية ونخبتها الحاكمة من أطماع غير مؤسسة على حقائق، بل إدعاءات ملبسة بثوب من الأوهام “التاريخية”! المزيفة التي تغذيها الرغبة الجامحة في الهيمنة وحسب التسلط ونهب الثروات.

إن الداعية الموجه من وراء حجاب لم يحدث قولا طارئا، فهو فقط أوضح كيف يفكر الساسة والمؤثرون في مملكة التوسع والتطبيع والمخدرات، فقبله ملوك ومسؤوليين وأحزاب وساسة وصحفيين ودعاة…، بل ودستور دولة يؤسس للعقلية التوسعية المغربية، تحت بند الحدود “الحقة”، حيث لا تقر الرباط بحدودها المتعارف عليها دوليا، وتطالب بالمزيد من الأراضي، ضما للصحراء الغربية وموريتانيا، وقضما لأجزاء من جنوب وغرب الجزائر، وحتى شمال مالي.

وهنا لا بد أن نذكر الشيخ المتمحزن ! ذو الخلفية الدينية التي تجاهلها، وهو صاحب التوجه المدعوم من دولة مجهرية وظيفية (قطر) تخدم الغرب في كل تقلباتها وأحوالها وتوجهاتها أسوأة بشقيقاتها (الإمارات،…) من المحميات الخليجية، نذكره أن تلك الدولة (قطر) كانت هي الأولى بأن يوجه نحوها “الشيخ”! كلامه عن “الوحدة الإسلامية”! المزعومة لو كان من الصادقين!.

وبمأن “الشئ، بالشئ يذكر” ، فقد كانت البدايات من التأصيل “التاريخي”! المزعوم والمختلق الذي نظر له علال الفاسي، زعيم حزب الإستقلال المغربي، والذي روجت له ألته الإعلامية، وألتقطته الدولة المغربية وملوكها، وحولته من أضغاث أحلاء ترواد موهوم بالتملك والهيمنة والسلطة، يصارع الجناح المؤيد للأسرة الملكية الحاكمة للحصول على مكاسب حزبية وشخصية، حولت دولة المخزن تلك التفسيرات الخرقاء إلى دستور وسياسات وتوجه عام ومنطلقات للدولة المغربية الحديثة في نظرتها وتعاملات المتعالية على شعوب ودول المنطقة، والتي لا تراهم إلا ركعا سجدا “للعتبة”! العلوية.

فإيديولوجية حزب الإستقلال ذو النفوذ الواسع في دواليب السلطة المغربية منذ الإستقلال الرمزي 1956، توضح جزءا يسيرا من تلك العقلية الإستعمارية التي تنطلق منها الرباط في علاقاتها مع الجيران وما خفي كان أعظم، تلك الخلفية التوسعية لم تبقى في غمدها مجرد نظريات وشعارات وتصريحات ونصوص مدسترة، بل شهد التاريخ محاولات عديدة لتجسيد تلك الرؤية الإستعمارية الإلغائية ما أمكن إلى ذلك سبيلا، في فترات ضعف الجوار المستهدف.

ففي عام 1963، وبعيد أقل من سنة على إستقلال الجزائر، وخروج البلاد منهكة من ثورة تحريرية واجهها الإستدمار الفرنسي المجرم بالإرهاب والإبادة الجماعية ومحاولة إفناء شعب بكامله، أجتاحت القوات المغربية مناطق من الجنوب الغربي الجزائري وحاولت السيطرة عليها، لكن الجيش الجزائري أعاد الصاع صاعين، وتمكن من دحر الغزاة وطردهم.

بلاد شنقيط، بدورها لم تسلم من التحرشات المغربية منذ الإستقلال 28 نوفمبر 1960، ولم يكفي إعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بموريتانيا في 27 أكتوبر1961 لوقف أطماع المخزن، فخاضت الرباط حربا دبلوماسية شعواء لمنع الإعتراف بموريتانيا كدولة مستقلة، ورغم أن المملكة المغربية أعترفت بموريتانيا كدولة مستقلة عام 1969، ما سمح لها أخيرا بالإنضمام لجامعة الدول العربية عام 1973، عقب زوال الفيتو الخليجي المدفوع من الرباط، إلا المملكة لا تزال تحتل مناطق من البلاد، قرب منطقة “بير أم أقرين”، وتطلق تصريحات بين الفينة والأخرى تذكر الشعب الموريتاني ودولته بالنظرة الإستعلائية التي يمارسها المخزن في حقهما، ولا تزال أطماع الرباط بضم بلاد شنقيط تنتظر فرصة الإنقضاض، ولولا حائط الصد الذي شكلته مقاومة الشعب الصحراوي وثورته المجيدة، لكان الحال غير الذين ترونه اليوم.

وقبل تصريحات الريسوني، صرح أمين عام حزب الإستقلال المغربي أنذاك (2016) المدعو حميد شباط أن “موريتانيا جزء من المغرب”، وقد أغضب الأمر الرئيس الموريتاني السابق، محمد ولد عبدالعزيز، ما أضطر النظام المغربي لإرسال وفد يترأسه رئيس الحكومة المغربية أنذاك عبد الإله بن كيران ويضم وزير خارجيته ناصر بوريطة، أين تعمد ولد عبد العزيز إستقبالهم في مدينة الزويرات بولاية تيرس زمور شمال البلاد بلا برتوكول، وفي فترة عطلة، فقدموا إعتذار سادسهم على عجل، ورحلوا وهم صاغرون!!!.

لقد كشفت تصريحات أحمد الريسوني وما قبلها من سياسات توسعية مغربية الحجاب عن جزء يسير مما يضمره المخزن العلوي لجواره، خاصة في ظل إستدعائه للكيان الصهيوني، وهو ما يفرض على شعوب المنطقة ودولها أن تعئ جيدا أن الأطماع المغربية لا تستهدف الصحراويين لوحدهم، ولن تقف عندهم، بل تنسحب وتمتد لتشمل المنطقة برمتها، وهو ما يجبر الجميع على الوقوف وبقوة مع كفاح الشعب الصحراوي، عبر دعمه بفعالية ودون مؤاربة أو خجل سياسيا وعسكريا وشعبيا، فهو حائط الصد الأول، إذا تداعى لا قدر الله فاليتنظر الجميع دوره المحتوم؟.

بقلم: عالي محمدلمين محمدسالم

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *